Monday, 5 September 2011

نوستالجيا الطفولة


شارعنا القديم

منذ ما يقرب من خمسة أعوام لآخر زيارة لي  .. مررت عليه ثاني أيام العيد .. لأتذكر في لحظة واحده ذكريات ما يقرب من الإحدى عشر عاما .. رغم اضطراري للزيارة إلا أن نسمات من الذكريات الجميلة المليئة بالمرح والفرح لم تفارقني .. وجعلتني أتوقف لالتقط صورة له عبر هاتفي النقال .. الذي لم أكن أتخيل انه سيكون بديل لعبتي المكونة من علبتي الصفيح يربط فيما بينهما خيط ضعيف .

رفعت يدي لالتقط الصورة .. وإذا بي أرى جرح قديم بيدي اليسري .. ( تحدثت عنه فيما مضى ) ذكرني  بمجموعتي الخاصة من أبناء وبنات الشارع المدربة باحتراف على الحفاظ على الشارع ..  ضد أي طفل أخر دخيل .. كي لا يستولي على حائطنا المفضل في لعبة التخفي ( الاستغماية ) أو حتى لا يتم سرقة مدخرنا من الحجر.. لاستخدامه في لعب ( السيجا ) .. أو استخدمه في الدفاع عن النفس .. أو أحيانا أخرى في عمل كوبري مشاه بمدخل العمارة نتيجة لتراكم مياه الشتاء.

التقطت أول صورة .. واقتربت أكثر لالتقط صورة أوضح لشرفة منزلنا.. والتي شهدت الكثير من الأحداث والاستخدامات ..  فقد كانت في وقت الصباح أشبه بالمنبه .. حيث يقوم كل طفل بمناداة الأخر من تحت شرفته سواء بصوت جهوري مميز بإطالة أي حرف مد في اسمه .. أو باستخدام مخزون الحجر السابق في قذف الشرفة إذا لم يستجيب بالنداء الغير آلي.

وكانت الشرفة في فتره العصر.. هي ملاذنا لصناعة الطائرات الورقية البسيطة .. والمنافسة في طيرانها .. والتي غالبا  ما تكون نهايتها كلها .. وما يتبقى من زينة رمضان المعلقة .. بالتفاف حول أسلاك وأعمدة  الكهرباء الموجودة بالشارع  .

ويكفي ان هذه الشرفة شهدت سقوط جميع أسنان الجاموس اللبنية في اتجاهها إلي الشمس وتمني استبدالها بأسنان العروس الخيالية .

وكان للشرفات دور أيضا  في العمل كجهاز المخابرات الإجرامي لأطفال الشارع  .. حيث يبعث كل طفل منا بإشارات سرية لا يفهمها سوا بعضنا البعض ..  سواء كانت حركات بهلوانية أو بمخططات ورقية محكمة  الغلق بـ "مشابك الغسيل " .. والتي غالبا ما تكون إشارات للتمهيد والاتفاق بينهم  لعمل كوارث طبيعية .
ولسور الشرفات تحديدا شهد منا الكثير من ..  إمتطائنا له كالفرسان .. واتخذنا منه مرسم كالفنانين .. واحتمينا به كالجنود البواسل .. من رجال الشارع الغرباء ..  بعد إمطارهم بوابل من قذائف إفرازاتنا اللعابية .

تذكرت عم " أبو راضي " رحمة الله عليه .. وكيف كان المدد والعون لنا في الأعياد بكافة الألعاب النارية والمتفجرات .. وكيف كنا نتفنن في إحراج والدي أمامه.. لشراء ما لذ وطاب من الحلوى الموجودة بدكانه الصغير..  والذي كان دائما نافذتنا بكل جديد في عالم الطفولة..  لا أنسى أول مره قدم لي اللبان السحري وابهرني بألوانه ..  وتدرج أسعار زجاجة المياه الغازية من الخمسة عشر قرش .. وحتى وصولها خمسة وثلاثين - رحمه الله عليه - فلم يعش حتى يراها تتعدى الجنيه وربع الآن..  ومع ذلك مازلنا مضطرين نشربها و "نفرح"

تمنيت أن ادخل البيت مره أخرى وانعم ولو لمرة أخيرة بـ  " الزحلقة " على سور سلمنا القديم .. لكني اكتفيت بالتقاط الصورة والرحيل بعدما لمحت بعيني استقرار " المرجيحة المركب " بمكانها أول الشارع كما عهدتها في الأعياد .. ولكني للأسف خلي جيبي من النقود الورقية الجديدة ووجدت فقط جنيها وربع من الفضة الصدئة  .. الغير كافية للقيام بدورة واحدة من هذه المرجيحة الآن .